رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
480
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
والأظهر أنّ شكّ الحواسّ والردّ إلى القلب كناية عن احتياجها في الإدراك إليه وكون معرفتها به . قال الصادق عليه السلام في الكتاب المشتهر بالإهليلجة مخاطباً للطبيب الذي أنكر وجود غير المحسوس : « أمّا إذ أبيت إلّاالجهالة ، وزعمت أنّ الأشياء لا تدرك إلّابالحواسّ ، فإنّي أخبرك أنّه ليس للحواسّ دلالة على الأشياء ، ولا فيها معرفة إلّابالقلب ؛ فإنّه دليلها ومعرّفها الأشياء التي تدّعي أنّ القلب لا يعرفها إلّابها . فقال : أمّا إذ نطقت بهذا ، فما أقبل منك إلّابالتخليص والتفحيص منه بإيضاحٍ وبيانٍ وحجّةٍ وبرهانٍ . قلت : فأوّل ما أبدأ به أنّك تعلم أنّه ربما ذهبت الحواسّ أو بعضها ، ودبر القلب للأشياء التي فيها المضرّة والمنفعة من الأمور العلانية والخفيّة ، فأمر بها ونهى ، فنفذ فيها أمره ، وصحّ فيها قضاؤه . قال : إنّك تقول في هذا قولًا يشبه الحجّة ، ولكنّي احبّ أن توضحه لي غير هذا الإيضاح . قلت : ألست تعلم أنّ القلب يبقى بعد ذهاب الحواسّ ؟ قال : نعم ، يبقى بغير دليل على الأشياء التي تدلّ عليها الحواسّ . قلت : أفلست تعلم أنّ الطفل تضعه امّه مضغةً ليس تدلّه الحواسّ على شيءٍ يسمع ولا يبصر ولا يُذاق ولا يلمس ؟ « 1 » قال : بلى . قلت : فأيّة الحواسّ تدلّه « 2 » على طلب اللبن إذا جاع ، والضحك بعد البكاء إذا روى من اللبن ؟ وأيّ حواسّ سباع الطير ولاقط الحبّ ، منها دلّها على أن تلقي بين أفراخها اللحم والحبّ ، فتهوي « 3 » سباعها إلى اللحم والآخرون إلى الحبّ ؟ وأخبرني عن فراخ طير الماء ؛ ألست تعلم أنّ فراخ طير الماء إذا طُرحت فيه سبحت ، وإذا طُرحت [ فيه ] فراخ طير البرّ غرقت ، والحواسّ واحدة ، فكيف انتفع بالحواسّ طير الماء وأعانته على السباحة ، ولم ينتفع طير البرّ في الماء بحواسّها ؟ وما بال طير البرّ إذا غمستها في الماء ساعةً ماتت ، وإذا
--> ( 1 ) . في المصدر : + / « ولايشمّ » . ( 2 ) . في المصدر : « دلّته » . ( 3 ) . في المصدر : « فتأوي » .